روايات

أم جوزي ست مريضة بقلم أماني السيد

“أيوه”. “طب ليه ماقالليش؟” الرجل فتح الملف على صفحة تانية: “لأن الفلوس ما اختفتش زي ما كانوا فاكرين”. قرب الورقة مني، كان فيها كشف حساب قديم وتحته توقيع أحمد. “هو اللي حوّل الفلوس؟” “أيوه”. “ليه؟” وقبل ما يجاوب، سمعنا صوت عربية توقفت فجأة قدام البيت. الرجل وقف وأخت جوزي قربت من الشباك وبصت بره، ثم رجعت وهي بتهمس: “في حد بيدور علينا”. “مين؟” “مش عارفة بس العربية دي شوفتها قبل كده”.

في نفس اللحظة، نور العربية اختفى، وبعدها بثواني وصلني إشعار على موبايلي، رسالة جديدة: “أحمد ما اختفاش هو اختار يختفي. ولو عرف إنك وصلتي للحقيقة، هيطلب منك تعملي حاجة واحدة”. “إيه هي؟” جاءت رسالة ثانية فورًا: “افتحي الخزنة اللي تحت سرير أمه”. بصيت لأخت جوزي، وهي أول ما قرأت الرسالة غطت وشها بإيديها. قلت: “إنتِ كنتِ عارفة إن فيه خزنة؟”. ما ردتش. وهنا فهمت إن كل اللي حصل لحد دلوقتي كان مجرد بداية، لأن المفتاح الصغير اللي أحمد بعتهولي لم يكن مفتاح باب الشقة أصلًا، كان مفتاح الخزنة.

بصيت للمفتاح في إيدي، وحسيت إن كل حاجة بدأت تتجمع قدامي بطريقة تخوف؛ الخزنة اللي تحت سرير حماتي، والمفتاح اللي أحمد بعتهولي، والملف اللي عليه اسمي، والأرض اللي اتباعت قبل جوازي، كل ده كان مربوط ببعض. قلت لأخت جوزي: “هنرجع البيت دلوقتي”. الرجل وقف قدامي وقال: “لو رجعتي، لازم تعرفي إنك ممكن تلاقي حاجة مش مستعدة تشوفيها”. رديت وأنا بحاول أثبت صوتي: “أنا بقالي سنين عايشة وسط أسرار، خلاص عايزة أعرف”.

وصلنا البيت بعد وقت قصير، دخلت أوضة حماتي وفضلت أبص للسرير. حماتي كانت نايمة ومش عارفة إن حياتي كلها بتتغير في اللحظة دي. رفعت المرتبة بحذر، وتحتها كان فيه لوح خشب صغير، شلت اللوح فظهر تجويف في الأرض وفيه صندوق حديد صغير. إيدي ارتعشت وأنا دخلت المفتاح ولفيته.. تك، الصندوق اتفتح.

لكن بدل الفلوس أو الذهب، لقيت ظرف أبيض كبير مكتوب عليه بخط أحمد: “إلى زوجتي.. لو وصلتي لهنا، يبقى أنا فشلت في حمايتك بالطريقة اللي كنت فاكرها صح”. بدأت أقرأ: “أنا عارف إنك اتعذبتي، وعارف إنك فاكرة إني كنت قاسي ومش مهتم. الحقيقة إن كل قرار أخدته الفترة اللي فاتت كان له سبب لكني ماكنتش أقدر أقولك”.

وقفت لحظة ودموعي نزلت غصب عني، وكملت: “الفلوس اللي اختفت قبل جوازنا ما راحتش، أنا لقيت مكانها لكن الشخص اللي أخدها كان أقرب لماما مما تتخيلي”. رفعت عيني ناحية حماتي: “مين؟”. قلبت الورقة، وفي آخر السطر كان مكتوب: “والشخص ده لسه موجود في حياتنا لحد النهارده”. سمعت صوت حركة من ورايا، لفيت بسرعة. حماتي كانت واقفة عند باب الأوضة، لكنها ماكانتِش بتبصلي، كانت بتبص للصندوق المفتوح، وبصوت هادي جدًا قالت: “أحمد وعدني إنه مش هيسيبك تعرفي”.

“تعرف إيه يا ماما؟” سكتت طويلًا وبعدين قالت: “إن أبو أحمد ما ماتش زي ما إحنا قلنا لك”. اتجمدت: “إيه؟”. “أبو أحمد عايش”. وقبل ما ألحق أسألها أي سؤال، سمعت صوت مفتاح بيتحط في باب الشقة. حماتي بصتلي بخوف وقالت: “هو وصل”. دخل صوت رجل من الصالة: “مريم؟”. أنا أعرف الصوت ده، كان نفس الصوت اللي كلمني في التليفون. لكن المفاجأة إن أحمد دخل وراه، وأحمد أول ما شافني واقفة قدام الخزنة قال: “كان نفسي ما تعرفيش بالطريقة دي”، وبعدين بص للرجل اللي جنبه وقال: “لكن بما إنك وصلت هنا يبقى مفيش وقت نخبي أكتر”.

الرجل رفع عينه ناحيتي، وكان أول مرة أشوفه بوضوح. ولما شوفته، عرفت فورًا مين هو، لأني كنت شايفاه قبل كده في الصورة القديمة اللي كانت جوه الصندوق. فضلت باصة للرجل ومخي مش قادر يستوعب نفس الوش اللي كان واقف جنب حماتي في الصورة القديمة. قلت بصوت مرتعش: “إنت مين؟”. الرجل ما ردستش، أحمد هو اللي قال: “ده الأستاذ سامح”. “أستاذ إيه؟” “المحامي اللي كان بيتابع شؤون والدتك.. أقصد، شؤون والدتكِ”. استغربت: “والدتي أنا؟ أنا معرفكش!”. ابتسم ابتسامة صغيرة: “وده بالضبط اللي لازم نتكلم فيه”.

حماتي بدأت تتحرك ناحية السرير، لكن أحمد وقف قدامها: “ماما خلاص، مفيش فايدة نخبي أكتر”. قالت وهي بتبصلي: “أنا كنت خايفة أخسرك”. رديت بسرعة: “تخسريني؟ إنتِ أصلاً كنتِ بتعامليني كأني خدامة عندك!”. سكتت، ونزل أحمد عينه للأرض، ولأول مرة حسيت إنه مش قادر يبص في وشي. قلت: “إنت كنت بتبعدني عنك ليه؟ وليه كنت بتخبي عليا؟ وليه سافرت؟ وليه كل الأسرار دي؟”. “عشان لو فضلتي قريبة مني، كنتِ هتدخلي في حاجة أكبر منك”. ضحكت بمرارة: “أنا دخلت بالفعل”.

سامح فتح الملف وقال: “قبل ما تتجوزي أحمد، كان فيه مستند اتعمل باسمك”. “مين عمله؟” نظر لحماتي، فأغمضت عينيها وقالت: “أنا”. شهقت: “إنتِ؟! “. هزت رأسها: “بس ماكنتش أقصد أضرك”. “طب كنتِ تقصدي إيه؟” سكتت طويلًا وبعدين قالت: “كنت بحاول أحافظ على حق كان المفروض يبقى ليكي”. تدخل أحمد: “وماما اكتشفت إن فيه شخص بيحاول ياخد الحق ده”. “مين؟” لم يجيبوا. سامح أغلق الملف فجأة وقال: “الشخص ده عرف إن المستندات ظهرت”. وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت زجاج بيتكسر في الصالة، اتجمدنا كلنا.

انت في الصفحة 5 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى