
أحمد جري ناحية الباب، سامح مسك الملف، وأنا فضلت واقفة مكاني. بعد ثواني رجع أحمد وهو ماسك ورقة صغيرة لقاها على الأرض ومدها لي، كان مكتوب عليها: “إنتوا اتأخرتوا وأنا وصلت للوثيقة الأصلية”. بصيت لأحمد: “وثيقة إيه؟”. وشه اتغير وقال: “الوثيقة اللي تثبت إن المؤسسة دي مش باسمك إنتِ بس”. “أمال باسم مين؟”
بص ناحية أمه، حماتي كانت بتبكي وبصوت ضعيف قالت: “باسم شخص مات من عشرين سنة”. اتسمرت مكاني، لأن الشخص الوحيد اللي مات من عشرين سنة كان والد أحمد. لكن أحمد فجأة قال: “لأ يا ماما”. سكت لحظة وأكمل: “أبويا مات من عشرين سنة لكن الشخص اللي كتب اسمه في الوثيقة كان لسه عايش بعد مو.ته بسنين”.
رفعت عيني له: “يعني إيه؟”. وقبل ما يرد، سامح فتح آخر درج في الصندوق وأخرج صورة صغيرة حطها قدامي. الصورة كانت لنفس الرجل الموجود في الصورة القديمة، لكن خلف الصورة كان مكتوب تاريخ بعد وفاة والد أحمد بخمس سنوات، وتحت التاريخ جملة واحدة: “قابلتُه اليوم لكنه طلب مني ألا أخبر أحدًا أنه ما زال حيًا”. فضلت ماسكة الظرف وأنا مش قادرة أفتحه، وبصيت لأحمد: “أمي كانت تعرف إنك هتتجوزني؟”. “أيوه”. “وكانت تعرف حماتك؟” سكت، فحماتي هي اللي ردت: “أمك كانت أعز صاحبة ليا لكن حصل بينا موقف خلانا نبعد عن بعض”.
“إيه الموقف؟” بصت للرجل الكبير، فأشار لها إنها تتكلم فقالت: “قبل وفاة أمك بشهور، اكتشفت إن فيه حد بيحاول يستولي على ملك كان من حقك”. “ملكي أنا؟” هزت رأسها: “أمك كانت عارفة إنك ممكن تكوني المستفيدة الوحيدة منه”. فتحت الظرف بسرعة، جوا كان فيه جواب قصير بخط أمي، وأول سطر خلاني أوقف: “بنتي.. لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أحكيلك الحقيقة بنفسي”. دموعي نزلت وكملت القراءة: “أنا ما سبتلكيش فلوس ولا ذهب، أنا سبتلك حق”.
رفعت عيني، كان أحمد واقف بعيد ووشه مليان خوف. قرأت السطر اللي بعده: “والحق ده مش موجود في بنك، ولا في بيت، ولا في مؤسسة”. قلبت الصفحة، ماكانش فيها غير جملة واحدة: “هو موجود في المكان اللي اتولدتِ فيه”. تجمدت، أنا اتولدت في قرية صغيرة وعمري ما رجعت هناك من سنين. بصيت لأحمد: “إنت كنت عارف؟”. “كنت عارف إن فيه حاجة هناك لكن ماكنتش عارف بالضبط إيه”. قال سامح: “وده سبب كل اللي حصل”. “طب إيه علاقة المؤسسة؟”
“المؤسسة كانت مجرد ستار قانوني لحماية المستندات لحد ما توصلي لسن معين”. “ومين اللي كان بيديرها؟” نظر لأحمد، فقال: “أنا”. اتصدمت: “إنت؟! “. “بس باسم مختلف”. وقبل ما أقدر أقول أي كلمة، الرجل الكبير اقترب مني وقال في حاجة أهم، وطلع من جيبه مفتاح تاني ووضعه في إيدي: “ده مفتاح المكان اللي أمك كانت تقصده في الرسالة”. بصيت للمفتاح، كان عليه رقم محفور: 17. “رقم إيه؟” “بيت”. ثم أضاف: “بس قبل ما تروحي، لازم تعرفي إن الشخص اللي كان بيدور على حقك عرف إنك عرفتي”. أحمد قرب مني وقال: “وعشان كده أنا محتاجك تثقي فيا للمرة الأخيرة”.
بصيتله بغضب: “آخر مرة؟”. هز رأسه: “أيوه”. ثم أخرج من جيبه صورة قديمة، كانت صورة لي وأنا طفلة، لكن الصدمة إن الشخص الواقف جنبي في الصورة كان نفس الرجل الموجود في الصورة القديمة مع أمي وحماتي، وتحت الصورة مكتوب: “اليوم الذي أخبرتُ فيه ابنتي من هو والدها الحقيقي”. رفعت عيني لأحمد وماقدرتش أنطق، لأني سمعت أحمد بيقول بصوت خافت: “مريم.. الراجل اللي في الصورة مش أبوكي”. وسكت. “بس هو الوحيد اللي يعرف مين أبوكي الحقيقي”.
فضلت باصة للصورة وأنا مش قادرة أتكلم، وقلت: “يعني الراجل ده كان عايش بعد ما الكل قال إنه مات؟”. رد سامح: “أيوه”. “وإنت كنت عارف؟” “من فترة”. “ومن فترة قد إيه؟” سكت، فصرخت: “أحمد!”. “من أول ما بدأت أراجع أوراق الأرض”. حسيت بغضب شديد: “وعشان كده كنت بتعاملني كده؟ عشان كده كنت بتخبي عليّ وبتقول لي اعتمدي على نفسك؟”. أحمد قرب خطوة: “أنا كنت بحاول أخلي كل حركة ليّا تبان عادية”. “عادية؟! إنت كنت بتخليني أعيش في حيرة وقلق!”.
“عارف”. قاطعنا سامح: “الممشكلة إن الشخص اللي بندور عليه مش مجرد حد اختفى من زمان”. “أمال مين؟” “هو اللي كان بيدير المؤسسة”. “ومين صاحب المؤسسة الحقيقي؟” سامح ما جاوبش، لكن أحمد قال: “مريم.. قبل ما تعرفي الاسم، لازم تعرفي حاجة أهم”. “إيه؟” أخرج ورقة من جيبه: “المؤسسة اتعملت قبل جوازنا بأسبوع”. أخذت الورقة، كان التاريخ واضح، لكن الصدمة الحقيقية كانت في آخر الصفحة؛ اسم المؤسسة كان نفس اسم والدتي. رفعت عيني ببطء: “ماما؟”. هز أحمد رأسه: “أيوه”.
حماتي بدأت تبكي، فقلت لها: “إنتِ تعرفي أمي؟”. فضلت ساكتة. “ماما.. تعرفي أمي منين؟” “كانت أقرب إنسانة ليا”. اتجمدت، أمي كانت توفت من سنين وحماتي عمرها ما حكتلي إنها تعرفها. لكن قبل ما أقدر أأسألها، سمعنا صوت طرق شديد على باب البيت. أحمد بص لسامح، فقال الأخير: “وصلوا”. “مين؟” أحمد مسك إيدي: “ماتخافيش”. “مين اللي وصل؟”




