
من أول يوم جوازنا وأنا كنت عارفة إن حماتي ست كبيرة ومريضة، وبتحتاج رعاية مستمرة. في البداية كنت بروح لها كل يوم؛ أصحى بدري، أجهز الفطار لأولادي، أخلص شغل البيت، وبعدها أروح شقتها أقعد معاها وأهتم بيها وأطمن عليها، وبعدها أرجع أجري على بيتي وعيالي. الموضوع كان مرهق جدًا، خصوصًا إن شقة حماتي كانت كبيرة بشكل مبالغ فيه، وكل ما أولادها ييجوا يزوروها ويقعدوا بالساعات، كانوا يسيبوا وراهم أطباق وأكواب وفوضى، وأنا اللي كنت برجع أنضف كل حاجة.
وفي يوم، بعد ما رجعت البيت وأنا حاسة إن ضهري هينكسر، بصيت لجوزي وقلت له: أنا تعبت يا أحمد مش قادرة أفضل رايحة جاية كل يوم. يا إما حد من إخواتك يساعد، يا إما نجيب ممرضة، يا إما تيجي ماما تقعد معانا. جوزي سكت شوية، وبعدها قال: ماشي هكلم إخواتي. لكن كلامه مع إخواته ماجابش نتيجة؛ كل واحدة كان عندها حجتها؛ واحدة عندها أطفال، والتانية بتشتغل، والتالتة قالت إن ظروفها مش تسمح. وفي الآخر، رجع جوزي وقال:
خلاص أمي هتيجي تقعد معانا. وافقت، رغم إني كنت عارفة إن الحمل هيبقى أكبر. وفعلًا، بعد كام يوم، نقلنا حماتي عندنا. في الأول كنت بحاول أتعامل مع الموضوع بحب، كنت بقول لنفسي دي أمي الكبيرة، وربنا هيجازيني على خدمتها. كنت بأكلها بإيدي، أساعدها في كل احتياجاتها، أرتب سريرها، وأنضف مكانها. لكن المشكلة ماكنتش في حماتي نفسها، المشكلة كانت في بناتها. كل يوم تقريبًا واحدة منهم تيجي تراجع ورايا: ماما أهتميتِ بيها؟ الأكل ليه متأخر؟ إنتِ نضفتي الأوضة كويس؟
هي ليه قاعدة بالشكل ده؟ وفي مرة واحدة منهم زعقتلي قدام حماتي: إنتِ لازم تهتمي بيها أكتر من كده! بصيت لها بدهشة وقلت: أنا بعمل اللي أقدر عليه، وإنتِ عارفة إني طول اليوم معاها. ردت ببرود: دي أمنا وإحنا مش هنقصر معاها.
الكلمة وجعتني؛ لأنها كانت بتتكلم وكأنها هي اللي بتخدم أمها، مع إنها كانت بتيجي ساعة وتمشي، وأنا اللي كنت شايلة كل الحمل. مرت الأيام، وتحولت خدمتي لحماتي من مساعدة إلى شيء مفروغ منه؛ لو تعبت، محدش يهتم، ولو مرضت، يقولوا استحملي شوية، ولو طلبت من جوزي يساعدني، كان يرد: “دي أمي يا ستي”، وكأنها أمه وحده، مش أنا كمان بقيت مسؤولة عنها.
والأصعب إن جوزي بدأ يتغير معايا؛ بقى قليل الكلام، قليل القعدة في البيت، ولو قربت منه بعد ما أكون خلصت اللي ورايا، كان يبعد بطريقة كانت بتجرحني جدًا. وفي مرة مد إيده على الأكل، وبمجرد ما عرف إني كنت لسه تعبانة في خدمة مامته، ساب الطبق وقال: مش قادر آكل. بصيت له وسألته: يعني إيه مش قادر تاكل؟ إنتِ عارفة.
ومن يومها، بقى بينا حاجز غريب. حاولت أتكلم معاه أكتر من مرة، لكنه كان دايمًا يقفل الكلام: “أنا مضغوط، عندي مشاكل في الشغل، مش ناقص خناق”. وبدأت مصاريف البيت تقل؛ في البداية كان بيديني مبلغ بسيط، وبعدها المبلغ بقى أقل، لحد ما في يوم قال لي: أنا مش هقدر أصرف زي الأول الفترة دي. والعيال؟ والأكل؟ تصرفي من معاش أمي. اتصدمت وقلت: من معاش ماما؟ ده معاشها بالعافية بيكفي علاجها! ما هو هي قاعدة معانا، يبقى نصرف منه على البيت.
والأغرب إن حماتي نفسها وافقت وقالت لي: يا بنتي ما تعمليش مشكلة خدي من المعاش وصرفي على البيت. ومن يومها بقيت أنا اللي بمشي البيت بمعاش حماتي القليل؛ أشتري الأكل، أدفع مصاريف الأولاد، أجيب علاجها، وأتحمل كل شيء. أما جوزي، فكل ما أسأله عن فلوسه يقول: “عندي مشاكل في الشغل”. مرت الشهور، وصحتي بدأت تدهور، وشكلي اتغير من التعب، لكن محدش كان شايف ده، الجميع كان شايف إني زوجة ابنهم ولازم أخدم أمهم. لحد ما في يوم، جوزي دخل البيت وقال لي:
أنا مسافر شهرين. بصيت له باستغراب: شهرين؟ رايح فين؟ شغل. وبعدين قرب مني وقال: عايزك تهتمي بماما والعيال لحد ما أرجع. ضحكت ضحكة مرة: “ومين يهتم بيا؟”. بص لي ثواني، وبعدها خرج من غير ما يرد، وسافر. مر أول أسبوع عادي، كنت متوقعة إنه يتصل يطمن على الأولاد، لكنه كان بيتصل دقائق قليلة، يسأل عن أمه، وبعدها يقفل. وفي اليوم السابع تحديدًا، كنت في المطبخ لما سمعت جرس الباب. فتحت، لقيت أخت جوزي دخلت وهي شايلة موبايلها وبتضحك، راحت على طول لأمها:
ماما! شوفي المفاجأة! إيه يا بنتي؟ قعدت جنبها وفتحت فيديو على الموبايل. أنا كنت داخلة المطبخ، لكن صوت الموسيقى والزغاريد شدني، وقفت مكاني وبصيت من بعيد وبعدين قربت، لكن أول ما شفت شاشة الموبايل اتجمدت. جوزي كان ظاهر في الفيديو، لابس بدلة رسمية أنيقة جدًا، واقف وسط قاعة ضخمة مليانة ناس، والكل بيزغرد ويصفق. اتخضيت، إيه اللي بيحصل؟! قربت أكتر من غير ما يحسوا بيا، جوزي كان واقف على المسرح، والناس حواليه بتضحك وبتصور، وفجأة ظهر جنبه رجل كبير في السن، وجوزي مسك إيده، وبعدين الرجل ده رفع إيده قدام الناس، والكل صفق بصوت أعلى.




